الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
218
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
في وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها إلى الأمر المتعلق بذيها حال حضور وقته غير متجه على شيء من الوجهين المذكورين وأما وجوبها لأجل الغير بأمره مستقل فلا يصح على الوجه الأول ولا مانع منه على الوجه الثاني لكن عد ذلك من الوجوب الغيري محل تأمل بل لا يبعد كونه نحوا من الوجوب النفسي لما عرفت من ترتب استحقاق العقاب على تركه من غير استحقاق للعقوبة على ترك الآخر والوجه للقول الآخر إطلاق ما دل على وجوب مقدمة الواجب ولا مانع من كون الفعل واجبا لغيره ومع ذلك يكون واجبا قبل دخول وقت الغير إذا كان وجوب الغاية في وقتها معلوما أو مظنونا ألا ترى أن قطع المسافة ليس واجبا لنفسه بل واجب للحج ومع ذلك لم يجب إيقاعه إلا قبل زمان الحج وكذلك صحة الصوم مشروط بالاغتسال من الجنابة قبل الفجر عند الأكثر وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب فيكون الغسل واجبا للصوم قبل دخول وقته وضعفه ظاهر بما قررنا لوضوح أن القاضي بوجوب المقدمة إنما هو وجوب ذي المقدمة فمع عدم حصوله كيف يعقل حصول ما يلزمه ويتفرع عليه والقول بكون العلم بوجوبه في وقته أو الظن به كافيا في ذلك قد عرفت وهنه هذا إذا حمل كلام الجماعة على حكمهم بوجوب المقدمة من جهة ما يتعلق الأمر بينها كما هو الظاهر من كلامهم وإن أرادوا إمكان وجوبه بأمر من الخارج فقد عرفت أنه لا مانع منه على الوجه الذي قررناه ولا يظن أن أحدا يخالفه فيه وفصّل بعض الأفاضل في المقام بين مقدمات الواجب المضيق مما يعتبر حصولها قبله وغيرها فقال بوجوب الأول قبل وجوب ذيها لحكم العقل حينئذ بلزوم الإتيان بها فلو كانت المقدمة من العبادات حكم بصحتها حينئذ نظرا إلى تعلق الأمر بها وكذلك الحال عنده في الواجب الموسع إذا لم يسع الوقت لأدائه وأداء مقدمته كما في مثال الحج فالمناط في حكم العقل بالوجوب هو ما إذا علم المكلف أو ظن أنه إن لم يأت المقدمة قبل وجوب ذيها يفوته الواجب في وقته وأما في غير ذلك فلا مانع من تعلق الأمر بالمقدمة من الخارج وأما مجرد الأمر بذيها فلا دلالة فيه على وجوب المقدمة لا عقلا ولا شرعا نعم لو أتي بالمقدمة قبل وجوب ذيها كان مجزيا إلا إذا كانت عبادة فيشكل الحال فيها لتوقفها على الأمر المفقود في المقام والفاضل المذكور ممن لا يقول بوجوب المقدمة فكان قوله بانتفاء الدلالة في المقام من جهة عدم ذهابه إلى وجوب المقدمة وحينئذ يشكل الحال في حكمه بالوجوب مع الضيق إلا أن يفصل في وجوب المقدمة بين الوجهين نظرا إلى ادعائه إدراك العقل لوجوبها في الصّورة الأولى دون الثانية وحينئذ فلا يكون ما ذكره تفصيلا في هذه المسألة وهو تفصيل غريب في وجوب المقدمة لا يعلم ذهاب أحد إليه ولا وجه له كما لا يخفى ومع الغض عنه فكما يقال بحكم العقل بوجوب المقدمة هناك على وجه التضيق فليقل بحكمه بالوجوب في الباقي على وجه التوسعة إذ لا فارق بين المقامين فيما سوى الضيق والتوسعة والحق أن حكم العقل ينفي في المقامين وتحقيق المقام أن الواجب إما أن يكون موقتا أو غير موقت وعلى التقديرين فإمّا أن يكون مضيقا أو غير مضيق وعلى التقادير فإما أن يكون الوقت في نفسه متسعا لأداء الفعل ومقدماته أو لا وعلى الأول فإما أن يطرده ما يكون مانعا من اتساعه للمقدمة أو يكون هناك مانع آخر من إيقاعها في الوقت لعدم تمكنه من فعلها مع تأخيرها إلى الوقت أولا فنقول إنه إذا لم يكن الوقت شرطا في وجوب الفعل بل كان شرطا في وجوده كما هو الحال في الحج بالنسبة إلى وقته فلا إشكال في وجوب المقدمة قبل حضور الزمان المضروب له بناء على القول بوجوب المقدمة سواء وسع الوقت لمقدمات الفعل أو لم يسعه وليس ذلك حينئذ من مسألتنا إذ ليس ذلك من تقدم وجوب المقدمة على ذيها ومن ذلك أيضا وجوب غسل الجنابة في الليل للصوم الواجب إذ الظاهر كون النهار محلا لوقوع الصوم لا شرطا في وجوبه كما في الصلاة اليوميّة بالنسبة إلى أوقاتها حيث دل الدليل على كون الوقت شرطا في وجوبها وصحتها فما استشهد به من حكينا عنه من بعض المتأخرين لتقدم وجوب المقدمة على ذيها من المثالين المذكورين مما لا وجه له ولا فرق حينئذ بين سعة الوقت للفعل ومقدماته وأما إذا كان الوقت شرطا في وجوب الفعل أو لم يكن الفعل موقتا لكن علم بحصول سببه بعد ذلك فالظاهر أنه لا وجه للقول بوجوب المقدمة من جهة الأمر المتعلق بذيها في الزمان المتأخر كما أشرنا إليه من غير فرق بين سعة الوقت للفعل ومقدماته وعدم اتساعه لها وتمكنه من الإتيان بها حينئذ وعدمه غاية الأمر أنه إذا دخل الوقت ولم يسع الأداء المقدمة أو لم يتمكن المكلف من أدائها فيه لا يتعلق الأمر بذي المقدمة لعدم تمكنه حينئذ من الإتيان بها فلا يجب عليه ذلك الفعل ولا محذور فيه أصلا ودعوى قضاء الفعل بأداء المقدمة قبل الزمان المفروض كما مر عن بعض الأفاضل واضح الفساد إذ لم يتعلق أمر بالمكلف قبل حضور ذلك الوقت حتى يحكم العقل بوجوب الإتيان بمقدمته على ما هو من شأنه في سائر المقدمات وحكم العقل بوجوب جعل المكلف نفسه قابلا لتعلق الخطاب ورود التكليف عليه مما لا يلتزمه أحد وتسليم الفاضل المتقدم حكم العقل بوجوب المقدمة قبل وجوب ذيها إذا لم يتسع الوقت للمقدمة مع منعه من حكم العقل بالوجوب بعد دخول الوقت مطلقا ولو مع عدم اتساعه إلا لأداء الواجب ومقدمته من الغرائب إذ لا فرق بين الصورتين سوى دخول وقت الواجب في الثاني وعدم دخوله في الأول ومن البين أن دخول الوقت إن لم يكن مؤيدا للحكم بالوجوب فلا يكون مانعا منه ويأتي على ما ذكره المفصل المذكور وجوب الإتيان بالمقدمة قبل وجوب ذيها في جميع الصور التي لا يتمكن المكلف عن أداء المقدمة في وقت وجوب الفعل لاشتراك الوجه فيها ثم إن ما ذكرناه إنما هو بالنظر إلى دلالة الأمر الذي يتعلق بذي المقدمة وأما لو قام هناك أمر من الخارج على وجوب الإتيان بالمقدمة قبل وجوب الفعل لأن يتمكن من فعل المأمور به عند تعلق الوجوب به فلا مانع منه أصلا كما قررناه ولا فرق حينئذ أيضا بين الصور المذكورة لكن في عد ذلك حينئذ من الوجوب الغيري تأمل أشرنا إليه ولا يبعد إدراجه في الوجوب النفسي وإن كان الأمر به لإحراز مصلحة حاصلة بفعل غيره وأن الأمر في ذلك هين بعد وضوح الحكم وعدم تفرع ثمرة على مجرد إطلاق الاسم ثالثها أن وجوب المقدمة كما مر الكلام فيه من لوازم وجوب الواجب فإذا قام دليل على عدم وجوب بعض مقدمات الفعل قضى ذلك بعدم وجوب ذلك الفعل أيضا فحينئذ لو دل دليل آخر على